أخر تحديث : الثلاثاء 18 أبريل 2017 - 5:55 مساءً

رسالة إلى عمي الذي مازال صامدا في الجبل..

الصحافي محمد جليد
بقلم: محمد جليد (*)

لماذا تلومني على كوني لا أكتب إلا عن مظاهر القبح في هذه المدينة العملاقة؟ ألا ترى أن الجميع ينبغي أن يجللني بتحية الصمود، لأنني ما زلت قادرا على العيش بين البراثن والحفر، وعلى تحمل العطانة المنبعثة من أزبال القمامات، وعلى مقاومة الصفقات الملتبسة التي تجري في زوايا الإدارات المظلمة، وعلى الوقوف في وجه مختلف أشكال الاعتداءات والانتهاكات والمراوغات والاحتيالات والدعارات والقوادات، الخ؟
لكن نزولا عند رغبتك، سأحكي لك عن شيء فريد في هذه المدينة، عن شيء جميل يسرق وقتا ثمينا، ليفرض نفسه على كل هذه النتانة المدينية. ففي كل صباح، تتحول المدينة، بشوارعها وأزقتها ودروبها، وأبواب عماراتها، وحافلاتها وسياراتها وقطاراتها، وأرصفتها وساحاتها، وشرفات مطاعمها ومقاهيها، والمكاتب داخل بناياتها الكبرى، إلى قارورة عطر كبيرة. تضوع منها الأطايب، فتسري في جسد المدينة، تتشربها عروقها ومسامها، كأنها تريد أن تنظفها من عفونة السكارى المتبولين على الجدران والأشجار والأعمدة الكهربائية، والعاهرات العجائز اللواتي يقتنصن صيدهن إلى الزوايا المظلمة، والمشردين المقهورين المتروكين لأقدارهم المجهولة، واللصوص المتربصين بفرائس آخر الليل…
ألا ترى، يا عمي، أن النساء يطهرن المدينة بعطورهن الفوّاحة، ليس من جرائم الكائنات الليلية فحسب، بل من رائحة عرقنا نحن الذين نمضي النهار نكدّ من أجل كسرة خبز يابسة وكأس شاي. وحتى الأدخنة المنبعثة من عوادم السيارات المتصاعدة، ومن مداخن المصانع الكبرى تتلاشى، ولا يعود لها أثر في الساعات الأولى من الصباح؟ تأبى الشمس هنا أن تشرق، إلا إذا اشتبكت أشعتها مع عطر النساء، لتمحو خبث المكان والزمان.
ألا ترى، يا عمي، أن النساء يكررن أسطورة “غرينوي”، ذلك البطل الذي صنع العجائب من جسد النساء؟ ألا ترى أن النساء يضحين بأنفسهن حتى تتعطر المدينة ونتنسم نحن عبقا ومسكا؟ لكن رغم كل هذا الجهد الكبير، فإننا نصرّ- نحن الكائنات السمجة- على إفساد هذا الجمال الذي تصنعه النساء. تصور يا عمي التكلفة التي تنفقها النساء لتعطير المدينة! إنه بلا شك ميزانية ضخمة تضاهي، أو تفوق ميزانية الحكومة.
مع الأسف، سرعان ما تعود المدينة إلى نتانتها المألوفة؛ وأعود إلى مقعدي، أنتظر صباحا عطريا جديدا!

(*) صحافي بيومية أخبار اليوم (المغربية)

أوسمة :